الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
244
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يأتي على جميع الناس . وإن كان المراد من الصيحة صيحة القتال كان المعنى : أنهم يفزعون إلى مواقع القتال يوم بدر ، أو إلى ترقب وصول جيش الفتح يوم الفتح فلا يتمكنون من الحديث مع من يوصونه بأهليهم . والتوصية : مصدر وصّى المضاعف وتنكيرها للتقليل ، أي لا يستطيعون توصية ما . وقوله : وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ يجوز أن يكون عطفا على تَوْصِيَةً ، أي لا يستطيعون الرجوع إلى أهلهم كشأن الذي يفاجئه ذعر فيبادر بافتقاد حال أهله من ذلك . ويجوز أن يكون عطفا على جملة « لا يستطيعون » فيكون مما شمله التفريع بالفاء ، أي فلا يرجعون إلى أهلهم ، أي هم هالكون على الاحتمالين ، إلا أنه على احتمال أن يراد صيحة الحرب يخصص ضمير يَرْجِعُونَ بكبراء قريش الذين هلكوا يوم بدر لأنهم هم المتولّون كبر التكذيب والعناد ، أو الذين أكملوا بالهلاك يوم الفتح مثل عبد اللّه بن خطل الذي قتل يوم الفتح . [ 15 ] [ سورة يس ( 36 ) : آية 51 ] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ( 51 ) يجوز أن تكون الواو للحال والجملة موضع الحال ، أي ما ينظرون إلّا صيحة واحدة وقد نفخ في الصور إلخ . . ويجوز أن تكون الواو اعتراضية ، وهذا الاعتراض واقع بين جملة ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً [ يس : 49 ] إلخ . . . وجملة وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا [ يس : 66 ] . والمقصود : وعظهم بالبعث الذي أنكروه وبما وراءه . والماضي مستعمل في تحقق الوقوع مثل أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] . والمعنى : وينفخ في الصور ، أي وينفخ نافخ في الصور ، وهو الملك الموكّل به ، واسمه إسرافيل . وهذه النفخة الثانية التي في قوله تعالى : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [ الزمر : 68 ] . و « إذا » للمفاجأة وهي حصول مضمون الجملة التي بعدها سريعا وبدون تهيّؤ . وضمير هُمْ عائد إلى ما عادت إليه الضمائر السابقة . ويجوز أن يعود إلى معلوم من المقام ، أي فإذا الناس كلّهم ومنهم المتحدث عنهم . و الْأَجْداثِ : جمع جدث بالتحريك ، وهو القبر .